ابن سبعين
201
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
ومن ذلك : ما اشتهر عن كثير من الفقهاء وغيرهم : أن الكعبة المعظّمة شوهدت تطوف بجماعة من الأولياء في أوقات في أمكنة غير مكانها ، ومعلوم أنها في مكانها لم تفارقه في تلك الأوقات ، فعلم من هذا أن وراء طور العقل طورا آخر . ومن ذلك : الشيخ قضيب البان حين شوهد وقد صلّى أربع ركعات في أربع صور ، فلمّا أسلم الإمام ضحك في وجه الفقيه الذي بجنبه ، وقال له : أي الأربعة الذي صلّى معكم هذه الصلاة . وقيل : إنما سمّي الأبدال أبدالا ؛ لأنهم إذا غابوا يبدل في مكانهم صور روحانية تخلفهم ، وهذا أحد القولين في سبب تسميتهم أبدالا . ونؤيد ما ذكرناه عن الشيخ سهل عن الولي الذي ستره بإحرامه وعن الشيخ مفرّج وعن الشيخ قضيب البان ما روي بالإسناد الصحيح المتعدد برواية جماعة من الشيوخ : إن الشيخ عبد القادر الكيلاني حضر في مجلسه أبو المعالي محمد بن أحمد البغدادي التاجر ، فأخذته حقنة شديدة منعته من الحركة ، وبلغت منه الجهد ، فنظر إلى الشيخ عبد القادر نظر المستغيث ، فنزل الشيخ مرقاة من الكرسي الذي يتكلم عليه ، فظهر على تلك المرقاة رأس كرأس الآدمي ، ثم نزل أخرى ، فظهر كتفان وصدر ، وما زال ينزل مرقاة مرقاة حتى تكمّلت على الكرسي صورة كصورته تتكلم على الناس بصوت مثل صوته ، وكلام مثل كلامه ، ولا يرى ذلك إلا هو ومن شاء اللّه من الحاضرين ، وجاء يشقّ الناس حتى وقف عليه ، وغطّى رأسه بكمه . وفي رواية : بمنديله ، فإذا هو في صحراء متسعة فيها نهر عنده شجرة ، فعلّق فيها مفاتيح كانت في كمّه ، وأزال حقنته ، وتوضأ من ذلك النهر ، وصلّى ركعتين ، فلمّا سلّم منها رفع الشيخ الغطاء عنه ، فإذا هو في المجلس وأعضاؤه مبتلة بالماء ولا حقنة به ، والشيخ على الكرسي يتكلم كأنه لم ينزل منه ، وتفقّد مفاتيحه فلم يجدها معه ، ثم بعد مدة جهّز قافلة إلى بلاد العجم ، وساروا من بغداد أربعة عشر يوما ، فنزلوا منزلا في برية فيها صحراء ، فذهب فيها ليزيل حقنة به ، فقال : ما أشبه هذه الصحراء بتلك الصحراء .